الناشر: MENA Hospitality Market – MHM
شهد هذا الصيف نقاشًا واسعًا حول الرسوم والقيود المرتبطة بتأجير بعض الوحدات داخل المنتجعات السياحية.
وبعيدًا عن تفاصيل كل مشروع أو السياسات التي يتبعها، أعتقد أن هذا النقاش يطرح سؤالًا استثماريًا أكبر:
هل أصبح نموذج التشغيل أحد أهم العوامل التي يجب تقييمها قبل الاستثمار في العقارات داخل الوجهات السياحية؟
لسنوات، كان قرار شراء وحدة بغرض الاستثمار يعتمد بصورة أساسية على مجموعة من العناصر المعروفة: الموقع، وقوة المطور، وسعر الشراء، ومعدلات ارتفاع قيمة العقار، والعائد المتوقع من التأجير.
لكن مع تطور السوق وانتشار التأجير قصير الأجل، أصبحت هناك مجموعة أخرى من الأسئلة لا تقل أهمية:
هل يمكن تأجير الوحدة بسهولة؟ من سيدير عملية التأجير؟ ما تكلفة الإدارة؟ هل توجد رسوم إضافية مرتبطة بالتأجير؟ ما الخدمات والمرافق التي يستطيع المستأجر استخدامها؟ والأهم: كم سيحتفظ المستثمر فعليًا من الإيراد الذي تحققه الوحدة بعد جميع تكاليف التشغيل والإدارة؟
امتلاك الوحدة شيء… وتشغيلها شيء آخر
شراء وحدة في وجهة سياحية لا يعني بالضرورة امتلاك استثمار قادر على توليد دخل بصورة تلقائية.
لكي تتحول الوحدة إلى أصل يولد إيرادات، هناك عملية تشغيلية كاملة يجب إدارتها: الحجوزات، والتسعير، والتسويق، واستقبال النزلاء، والتنظيف، والصيانة، وخدمة العملاء، ومتابعة المدفوعات، والتعامل مع المشكلات أثناء الإقامة.
بالنسبة للمالك الذي يمتلك وحدة واحدة أو عدة وحدات، قد تصبح إدارة كل هذه العمليات بنفسه أمرًا صعبًا وغير عملي.
ولهذا ظهرت شركات متخصصة في إدارة وتأجير الوحدات نيابةً عن الملاك.
هذه الشركات تقدم خدمة حقيقية ومهمة، لكنها في المقابل تحصل على مقابل لإدارة العملية، وغالبًا ما يكون جزءًا من الإيرادات الإيجارية وفقًا لطبيعة الخدمة ونموذج الإدارة.
وهنا تبدأ المعادلة الاستثمارية في التغير.
الإيراد الإجمالي ليس هو العائد الحقيقي
قد ينظر المستثمر إلى الوحدة ويقول: إذا استطعت تأجيرها بسعر معين لعدد معين من الليالي سنويًا، فسأحقق إيرادًا قدره X.
لكن Gross Rental Revenue لا يمثل بالضرورة ما سيحصل عليه المستثمر في النهاية.
فبين الإيراد الإجمالي وصافي العائد قد توجد مجموعة من التكاليف، مثل: رسوم شركة إدارة الوحدة، عمولات منصات الحجز، التسويق، التنظيف وتجهيز الوحدة بين الإقامات، الصيانة والإصلاحات، رسوم الصيانة السنوية للمشروع، استهلاك الأثاث والتجهيزات، المرافق والخدمات بحسب نموذج التشغيل، وأي رسوم أو تكاليف مرتبطة بسياسات التأجير داخل المشروع.
وهنا يصبح المؤشر الأكثر أهمية للمستثمر ليس فقط: كم تستطيع الوحدة تحقيقه من إيرادات؟ ولكن: كم يتبقى من هذه الإيرادات بعد تكلفة تحقيقها؟
من Rental Yield إلى Net Rental Yield
وهنا أعتقد أن تقييم الاستثمار يحتاج إلى التركيز بصورة أكبر على صافي العائد الإيجاري Net Rental Yield وليس فقط على الإيراد الإيجاري المتوقع.
قد تبدو وحدتان متقاربتين جدًا عند النظر إلى سعر الإيجار أو معدلات الإشغال. لكن إذا كانت تكلفة تشغيل وإدارة الوحدة الأولى أعلى بصورة كبيرة من الثانية، فإن العائد الحقيقي للمستثمر سيكون مختلفًا.
وبالتالي، يجب أن تتضمن دراسة الاستثمار مجموعة من الافتراضات التشغيلية، وليس مجرد توقعات لسعر الوحدة والإيجار.
ما نسبة الإشغال الواقعية؟ ما متوسط سعر الليلة؟ ما تكلفة إدارة الوحدة؟ ما تكلفة اكتساب الحجز؟ ما المصروفات السنوية؟ ما معدل تجديد الأثاث والتجهيزات؟ وما صافي التدفق النقدي الذي يصل إلى المالك في النهاية؟
هنا فقط نستطيع تقييم الاستثمار بصورة أكثر دقة.
عندما ترتفع التكلفة على المستثمر… من سيدفعها؟
هناك جانب آخر للمعادلة. عندما ترتفع تكلفة إدارة وتأجير الوحدة، يكون أمام المالك عدة خيارات محدودة.
إما أن يتحمل جزءًا من هذه التكلفة، وبالتالي ينخفض العائد الذي يحصل عليه. أو يحاول تمرير جزء منها إلى المستأجر من خلال رفع سعر الإقامة.
لكن هنا تبدأ مشكلة أخرى. كلما ارتفعت التكلفة النهائية للإقامة في الوحدة، أصبحت المقارنة مع الفندق أكثر أهمية.
ماذا يحدث عندما يقترب سعر الوحدة من الفندق؟
عندما يكون هناك فارق سعري كبير بين استئجار وحدة والإقامة في فندق، يكون لكل منتج موقع واضح في السوق.
لكن عندما يبدأ هذا الفارق في الانخفاض، تتغير طريقة اتخاذ القرار لدى العميل. لأن السؤال لن يصبح فقط: أيهما أرخص؟ بل: ما القيمة التي سأحصل عليها مقابل ما أدفعه؟
وفي كثير من الحالات، تقدم الفنادق منظومة متكاملة من الخدمات: الاستقبال، والتنظيف، وخدمات الغرف، والمطاعم، والمرافق الترفيهية، والصيانة، والأمن، وخدمة النزلاء، وإدارة تجربة الإقامة بالكامل.
أما الوحدة المؤجرة بصورة مستقلة، فقد تقدم مزايا أخرى مهمة، مثل المساحة الأكبر، والخصوصية، وإمكانية الإقامة للعائلات والمجموعات.
وبالتالي، ليست الفكرة أن الفندق أفضل دائمًا أو أن الوحدة أفضل دائمًا. الفكرة أن المنافسة تبدأ في التغير عندما يصبح السعر متقاربًا. فالعميل سيبدأ في مقارنة القيمة الكاملة للتجربة وليس سعر الليلة فقط.
الوصول إلى المرافق جزء من قيمة الإقامة
هناك عامل آخر يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على قدرة الوحدة على المنافسة: ما الذي يحصل عليه المستأجر فعليًا داخل المشروع؟
ففي بعض المشروعات، قد تختلف حقوق استخدام بعض المرافق والخدمات بين المالك والمستأجر وفقًا لسياسات إدارة كل مشروع.
وهنا يصبح الوصول إلى الشاطئ، والمسابح، والنوادي، والمرافق الرياضية والترفيهية، والخدمات المختلفة جزءًا من القيمة الاقتصادية للوحدة نفسها عند استخدامها للتأجير.
لأن المستأجر لا يشتري ليلة داخل أربعة جدران فقط. هو يشتري تجربة إقامة داخل وجهة.
وكلما كانت التجربة محدودة مقارنةً بالبدائل المتاحة بنفس المستوى السعري، أصبحت قدرة الوحدة على المنافسة أكثر صعوبة.
المنافسة القادمة قد لا تكون بين مشروع ومشروع
تزداد أهمية هذه المعادلة مع التوسع في تطوير الفنادق والمنتجعات الجديدة في مصر، والساحل الشمالي بصورة خاصة، ودخول المزيد من العلامات الفندقية والمشغلين المحترفين.
وهذا قد يغير شكل المنافسة خلال السنوات المقبلة. فالمنافسة لن تكون فقط بين مشروع عقاري ومشروع عقاري آخر، أو بين وحدة ووحدة أخرى.
بل قد تصبح بصورة متزايدة منافسة بين نموذجين مختلفين للإقامة والاستثمار: الوحدة السكنية المؤجرة قصير الأجل، والتي يمكن أن تمنح العميل مساحة وخصوصية ومرونة أكبر، لكن المالك يحتاج إلى إدارة عملية التأجير وتحمل تكاليفها؛ مقابل الأصل الفندقي المُدار باحتراف، حيث تكون الإقامة جزءًا من منظومة تشغيلية متكاملة تشمل الخدمات والمرافق وإدارة تجربة النزيل.
لكل نموذج جمهوره ومزاياه. لكن مع زيادة المعروض الفندقي، سيصبح على الوحدات المؤجرة أن تنافس ليس فقط على السعر، وإنما على القيمة والتجربة وسهولة الحجز وجودة التشغيل.
هل أصبح نموذج التشغيل جزءًا من قرار الشراء؟
من هنا، أعتقد أن تقييم الوحدة الاستثمارية داخل الوجهات السياحية يجب ألا يتوقف عند تقييم العقار نفسه.
فالمستثمر لا يشتري فقط موقعًا جيدًا + وحدة جيدة + مطورًا قويًا. إذا كان الهدف الأساسي هو تحقيق دخل من التأجير، فهو يشتري بصورة غير مباشرة نموذج تشغيل أيضًا.
وهذا النموذج قد يؤثر على: قدرة الوحدة على تحقيق الإشغال، ومتوسط سعر الليلة، وتكلفة إدارة الحجوزات، وتجربة المستأجر، وتقييمات الوحدة، ومعدلات تكرار الزيارة، وصافي الدخل الذي يصل إلى المالك، وفي النهاية قيمة الأصل نفسه كاستثمار.
وبالتالي، يجب أن تصبح سياسات التشغيل والتأجير جزءًا من Due Diligence الذي يقوم به المستثمر قبل الشراء، وليس سؤالًا يظهر بعد استلام الوحدة.
من يدير الأصل قد يكون بنفس أهمية من قام بتطويره
في السوق العقاري، نعطي وزنًا كبيرًا لاسم المطور عند اتخاذ القرار الاستثماري. وهذا منطقي.
لكن في العقارات التي تعتمد قيمتها الاستثمارية بصورة كبيرة على التأجير، قد يصبح هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: من سيدير الأصل بعد التسليم؟
لأن المطور يستطيع إنشاء منتج ممتاز. لكن الأداء الاستثماري بعد ذلك سيتأثر بدرجة كبيرة بكفاءة التشغيل، وسياسات الإدارة، وتكلفة التأجير، وجودة تجربة العميل.
وهنا يصبح التشغيل جزءًا من الاستثمار نفسه، وليس مجرد خدمة تأتي بعد التطوير.
من الإيراد المتوقع إلى العائد القابل للاحتفاظ به
ربما يكون أهم تحول في طريقة تقييم هذه الاستثمارات هو الانتقال من السؤال: "كم يمكن أن تحقق الوحدة من إيرادات سنوية؟"
إلى: "كم سيحتفظ المستثمر فعليًا من هذه الإيرادات بعد جميع تكاليف التشغيل والإدارة؟"
لأن الاستثمار في النهاية لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات التي يستطيع الأصل توليدها. بل بحجم التدفقات النقدية التي يستطيع المستثمر الاحتفاظ بها بعد تكلفة توليد هذه الإيرادات.
ومع تطور سوق التأجير قصير الأجل وزيادة المنافسة من الفنادق والمنتجات الفندقية المدارة باحتراف، قد يصبح نموذج التشغيل واحدًا من أهم العناصر التي تحدد نجاح الاستثمار في الوجهات السياحية.
